محمد الحفناوي
313
تعريف الخلف برجال السلف
يخرج القاضي عن قول ابن القاسم ما وجده احتياطا ورغبة في صحة الطريق الموصل لمذهب مالك ، الذي قلدوه لصحة روايته وطول صحبته له لم يخلطه بغيره ، ولو كان مجتهدا مطلقا لكانوا إنما قلدوه دون مالك ، وهو خلاف ما علم من أئمتهم حيث توغلوا في تقليده حتى شنع عنهم ابن حزم أحد حفاظها ، فقال : قد وصل أهل الأندلس في تقليد مالك حتى يعرضون كلامه تعالى وكلام رسوله على مذاهب إمامهم ، فإن وافقاه وإلا طرحوه وأخذوا بقول صاحبهم مع أنه غير معصوم ، ولا نعلم بعد الكفر باللّه تعالى معصية أعظم من هذا ، فهذا ما وصفهم به من تقليد مالك ، وإن كان على كلامه حديث ليس هذا محله ، وهم حين فتح الأندلس التزموا مذهب الأوزاعي ، حتى قدم عليهم الطبقة الأولى ممن لقي مالكا كزياد بن عبد الرحمن ، والغازي بن قيس ، وقرعوس ونحوهم فنشروا إمامته وفضله ، فأخذ الأمير هشام الناس حينئذ فالتزموا مذهبه من يومئذ ، وحاموا عليه بالسيف إلا من لا يؤبه به ، حتى إن الأمير الحكم بن المستنير ، وكان ممن بحث عن أحوال الرجال بحثا يقر عنه كثير من العلماء ، حتى إن خزائن من كتبه في غاية الصحة بحيث إذا اطلع على ما قوبل بأصل منها ، ولو بوسائط اطلع عليه في غاية الصحة ، كتب إلى الفقيه أبي إبراهيم رسالة فيها : وكل من زاغ عن مذهب مالك فإنه ممن رين على قلبه ، وزيّن له سوء عمله ، وقد نظرنا طويلا في أخبار الفقهاء إلى الآن فلم نر مذهبا أسلم منه ، فإن في المذاهب الجهمية والرافضة والمرجئة والشيعة إلا مذهب مالك ، فما سمعنا عن أحد قلده بشيء من البدعية ، فالتمسك به نجاة إن شاء اللّه ا ه . [ 206 ] فهل ترى مع هذا التصميم في هذا الاعتقاد خلفا عن سلف أن يمنعوا الخروج عن قول ابن القاسم لاجتهاده وتركه قول مالك ، بل ذلك لتقليده إياه وطول ملازمته له ، واطلاعه على ما يأخذه ، وأيضا فلا ينكر أحد أنه